حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

15

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ظاهر اللفظ ، ولأنه قد يدخل المرء إعجاب بسبب القراءة حيث إنها طاعة موجبة للثواب فيناسب أن يستعيذ من ذلك . الثانية : الأكثرون على أن الاستعاذة مندوبة ، لأنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يعلّم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة ، وزيف بأن الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة ، فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة فيه عدم وجوبها . وعن عطاء أن الاستعاذة واجبة في كل قراءة في الصلاة وغيرها ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم واظب عليها . وقال تعالى : فَاتَّبِعُوهُ [ الأنعام : 153 و 155 ] « 1 » ولأن الأمر في « فاستعذ » للوجوب . وإنما تجب عند كل قراءة لأنه قال : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدلّ على التعليل ، والحكم يتكرّر بتكرّر العلّة . ولأن الاستعاذة لدفع شر الشيطان ، ودفعه واجب ، وما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب . وعن ابن سيرين وجوبها في العمر مرة واحدة وعن مالك أنه لا يتعوّذ في المكتوبة إلا في قيام رمضان . الثالثة : المستحبّ فيها الإسرار في الصلاة وإن كانت جهرية إلحاقا لها بما قبلها من الذكر وهو دعاء الاستفتاح ، ولأن الجهر كيفية وجودية ، والإخفاء عبارة عن عدم تلك الكيفية والأصل هو العدم ، وأنها تستحبّ في كل ركعة لما مرّ من أنّ الحكم يتكرر بتكرر العلة لكنها آكد في الأولى . الرابعة : اعلم أن الكلام في معنى قول القائل : « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » ، يتعلق بخمسة أركان : الاستعاذة ، والمستعيذ ، والمستعاذ له ، والمستعاذ منه ، وما لأجله الاستعاذة . فههنا أبحاث : البحث الأول : معنى العوذ الالتجاء أو الالتصاق . قال الجوهري : أطيب اللحم عوّذه وهو ما التصق منه بالعظم . أي التجئ إلى رحمة اللّه ، أو التصق بفضله . والباء في « باللّه » للإلصاق ، كما أن « من » في « من الشيطان » للابتداء ، لأنه ابتدأ بالتبري من الشيطان والتصق برحمة اللّه تعالى وإعانته . واستعاذة لا تتمّ إلا بأن يعلم العبد كونه عاجزا عن جلب المنافع الدينية والدنيوية ودفع المضارّ العاجلة والآجلة ، وأن اللّه تعالى قادر على إيصال المنافع

--> ( 1 ) إن الضمير في أمر قوله تعالى فَاتَّبِعُوهُ عائد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفقا لسياق كلام المؤلف . وعلى هذا تكون الآية التي أرادها المؤلف هي 158 من سورة الأعراف ، وهي قوله تعالى : . . . فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . فاقتضى التنويه .